المقريزي

23

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )

بأجمعهم مشى هو والخان ثامن مرّة على النّاس بالإبريق في يده ، والطّست في يد الخان حتى يغسل الجميع أيديهم من الطّعام ، ثم مشيا مرّة تاسعة بالشّبّول حتى يفرّقاه على من هناك بأسرهم واحدا بعد واحد ، ثم مشيا المرّة العاشرة ففرقا فيهم الكافور كذلك . ثم جلس وقرأ القراء من القرآن الكريم ما شاء اللّه ودعوا ، ثم انفضّوا جميعا ، فإذا لم يبق أحد جلس السلطان على سماط فأكل هو وأولاده وخواصّه . فكان هذا دأبه في عمل المجتمعات الموفيات في كلّ عام ، ويبلغ مصروف السّماط النّبوي ألفي تنكة فضة ، عنها خمسمائة دينار ذهبا ، وكذلك أسمطة وفيات آل البيت والصّحابة والمشايخ ، لكنّه دون ذلك في المصروف . وكان - رحمه الله - لا يتلو القرآن الكريم إذا قرأ حزبه في كلّ يوم في المصحف إلا وهو قائم على قدميه إجلالا وتعظيما ، فلم يعرف عنه أنّه قرأ وهو جالس . وكان إذا وفد عليه أحد من أولاد سلاطين الآفاق يبالغ في إعظامه ، ويوسع في عطائه ، ويزوّجه ، ويجعل له عسكرا في خدمته ، ويقطعه عدّة من القرى . وكانت أيامه كلّها لا تنقضي إلا في عبادة ، أما نهاره ففي تلاوة القرآن ، ونسخ المصاحف ، والبحث في العلم مع الطّلبة ، وأمّا الليل فإنّه يسمر عنده خواصّه إلى نصف الليل في